عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
78
معارج التفكر ودقائق التدبر
إن الحكم إلّا للّه في قضايا امتحان العباد في ظروف الحياة الدّنيا ، والجزاء الّذي يقضي اللّه به ، ويتحقّق بأمره تنفيذه ، هو الجزاء الذي يناله كلّ فرد من الأفراد الّذين مرّوا رحلة الامتحان في ظروف الحياة الدنيا . واقتصر النصّ هنا على الحكم بالضّلال ، لأنّ الحديث يتعلّق بالمكذّبين بآيات اللّه ، بمقتضى السّوابق في النّصّ . . . . وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) : أي : ومن وصل من أهل الكفر والتكذيب إلى أن يحكم اللّه عليهم بالضّلال ، وهم ما زالوا في الحياة الدنيا ، لعلم اللّه بأحوال نفوسهم وقلوبهم ، وأنّهم صاروا قوما ميئوسا منهم ، ولم تقتض حكمته إنزال العقوبة العاجلة بهم بإهلاكهم إهلاكا شاملا ، لأنّ فسادهم العامّ لم يصل إلى المستوى الّذي يقتضي إهلاكهم إهلاكا شاملا ، فإنّ اللّه جلّت حكمته يتركهم في طغيانهم يعمهون ، متحيّرين متخبّطين . وَيَذَرُهُمْ : أي : ويتركهم ، قال علماء اللّغة : قد أهمل العرب ماضي هذا الفعل ومصدره ، وبقي في الاستعمال المضارع والأمر . والقراءة الأخرى بالجزم : وَيَذَرُهُمْ عطفا على جواب الشرط باعتباره في موضع فعل مجزوم ، أو هو مسكّن تخفيفا ، أمّا القراءة بالرّفع وَيَذَرُهُمْ فهي على أنّ الجملة مستأنفة . فِي طُغْيانِهِمْ : أي : في تجاوزهم عبر رحلة امتحانهم حدود اللّه فيما أوجبه من إيمان وعمل ، وفيما حرّمه من عقيدة وعمل . يَعْمَهُونَ : العمة : التّحيّر ، والتردّد ، وانطماس البصيرة ، وهو في البصيرة كالعمى في البصر . فنفهم من قول اللّه تعالى : وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أنّ من وصل